منطقة الدفوفة

الصرحان الضخمان من الطوب غير المحروق في كرمة الذين أشار إليهما لبسيوس  والمسميان بالاسم المحلي “الدفوفة”، ويعني مفردها “دفي” في لغة المحس قرية محصنة، صار الأكبر منهما يعرف بـ “الدفوفة السفلى” وفي حالات بـ “الدفوفة الغربية” وهو الأقرب الى مدينة كرمة الحالية والى النهر. المبنى الثاني الأصغر يعرف باسم “الدفوفة العليا” أو بـ “الدفوفة الشرقية” يتوسط مدافن جبانة تبعد 3.5 كيلو متر عن النيل.

شأنه شأن كل الزوار الى المنطقة، لفتت الدفوفة السفلى نظر ريزنر بمجرد وصوله الى كرمة البلد، ووصفها بأنها عبارة عن مبنى ضخم بقمة مسطحة مع جانبين يكادان أن يكونا عموديين، والمبنى في حالة تآكل بفعل العوامل الجوية، لكنه لازال يرتفع ليبلغ 19.3 متراً. محاطاً بأكوام من الأنقاض، يبدو المبنى في هيئة منصة مستطيلة تقطع عتبات سلالم كتلتها الى الأعلى. قياسات المبنى تبلغ 52.3 x 26.7 متراً في قاعدته. ولاحظ ريزنر أن الجدران تمت تقويتها في مستويات مختلفة باستخدام عوارض خشبية وضعت أفقياً في البناء من الآجر وهى، في اعتقاده، سمة مميزة لمثل هذا النوع من المباني المصرية الضخمة من الآجر في تحصينات الجندل الثاني، مع اعترافه بأن هذا النوع من المباني يختلف عن أي بناء معروف في مصر نفسها. دفع وجود بينة دالة على استخدام تقنيات البناء المصرية بـ ريزنر الى طرح افتراض بأن الدفوفة شيدت عن طريق مصريين. وقد زادت قناعته بفرضيته تلك نتيجة ما عثر عليه فى الأنقاض. فقد عثر في الأطلال القريبة من الدفوفة السفلى على أجزاء من جرار مصرية مصنوعة من الخزف والحجر، حمل بعضها أسماء فراعنة مصريين من فراعنة الدولة القديمة. ولاحظ أيضاً ذات الأجزاء من التماثيل الحجرية التى شاهدها لبسيوس. أرخ تلك بالأسرتين الثانية عشر والثالثة عشر. في واجهة الدفوفة الغربية، كشف ريزنر عن كوم مؤلف من مئات بقايا سدادات جرة وأختام من الطين، والتى أمنت خيوط ربطت في السابق الصناديق الخشبية. وبفضل أسلوبها والأسماء الملكية المحفوظة عليها تمكن ريزنر من تحديد انتمائيتها الى ملوك الهكسوس في شمال مصر (الأسرتين الخامسة عشر والسادسة عشر، حوالي 1668- 1570 ق.م.). يبدو أن السدادات والأختام تشير الى أن الناس هنا استوردوا سلعاً من الهكسوس. وتدلل طبقات من الرماد والفحم، وآثار حريق على الجدران وأخشاب محروقة لازالت تظهر في الطوب، أن الدفوفة والمنطقة المحيطة تم تدميرها بفعل حريق بعد فترة ليست بالطويلة في أعقاب وصول تلك السلع. تكهن ريزنر بالتالي بأن الموقع كان مركزاً تجارياً مصرياً قصياً في السودان وأن الدفوفة كانت قلعة مصرية صغيرة. كل ذلك تم تدميره، في اعتقاده، بفعل هجوم سوداني منسق في عهد الهكسوس (2). على بعد ما يزيد قليلاً عن الثلاث كيلو مترات الى الشرق من موقع المدينة قامت جبانة قديمة صخمة. هنا، في حافة الصحراء، علَمت آلاف التلال المنخفضة الدائرية أو دوائر حجارة سوداء مواقع مدافن تكاد تصل الى الأفق. حتى قبل أن يبدأ في التنقيب، استطاع ريزنر أن يلاحظ اختلافات معتبرة في الأجزاء المختلفة من الجبانة. تجمعت المقابر الصغيرة في الطرف الشمالي؛ وفي الجزء الأوسط قامت مدافن كبيرة محاطة بمجموعة من المقابر الصغيرة؛ وفي الطرف الجنوبي، سادت المدافن الكبيرة. العديد من تلك المدافن الكبيرة بلغ قطر الواحدة منها ثلاثون متراً، وبلغ قطر أربعة منها حوالي المائة متر للمدفن. وسط تلك الجبانة الضخمة قامت الدفوفة العليا، المبنى الضخم الثاني في المدينة من الطوب غير المحروق، والذى وسمه ريزنر بـ “ك-2”. وأماطت مجسات لاحقة اللثام عن أطلال لمبنى ثالث مشابه تآكل بفعل العوامل الجوية، ووسمه ريزنر بـ “ك 11”. افترض ريزنر أن هذين المبنين كانا بمثابة معابد جنائزية شيدت لخدمة الاحتياجات الطقوسية للأفراد المهمين المقبورين في المدافن الأكبر.